لغز الياسمين: لماذا هي؟
بقلم باهر رجب

أنثى الياسمين في عالم يميل إلى القوالب الجاهزة و التصنيفات المعلبة، تبرز هي كحالة استثنائية تعيد صياغة مفهوم “المرأة” في أذهاننا. تسأل نفسك: “لماذا هي؟”، ولا تجد إجابة شافية، ليس لنقص في الكلمات، بل لأن الإجابة تكمن في تلك المساحة الرمادية المذهلة بين الأضداد. إنها ليست مجرد امرأة، بل هي قصيدة كتبت بحبر التناقض، وعزفت على أوتار الروح برقة وعنفوان في آن واحد.
فتنة الارتباك الأول
تبدأ الحكاية دائما بارتباك غير مفسر. منذ الوهلة الأولى، تسلبك القدرة على التوقع. تطل عليك بخجل يكسو ملامحها، فتظنها كائنا هشا يحتاج للاحتواء، لكنها سرعان ما تفاجئك بجرأة تكسر الحواجز وتثبت حضورها في أصعب المواقف. هذا المزيج بين الانطواء والانطلاق هو ما يخلق تلك الهالة الجذابة حولها. فهي لا تعطيك مفاتيح شخصيتها دفعة واحدة، بل تتركك تائها في دهاليز سحرها.
ميزان القلب والعقل
تتجسد روعتها في تلك الازدواجية الغريبة. فهي طيبة القلب إلى حد يجعلك تخشى عليها من قسوة العالم، لكنها في لحظة صدق مع النفس، تتحول إلى متمردة لا تقبل الضيم، ترفض القيود وتعلن عصيانها على كل ما يطفئ بريق روحها. هي تلقائية في ضحكتها، في حديثها، وفي تفاعلها مع الحياة، ومع ذلك، يسكن خلف تلك التلقائية عقل جبار يزن الأمور بألف حساب، ذكاء حاد يلمح ما وراء الكلمات، يقابله براءة فطرية تصل أحيانا إلى حدود السذاجة التي تجعلها ترى العالم بعيون طفلة لم تتلوث بعد.
صراع الهدوء والعاصفة
تراقبها وهي غارقة في صمتها، فتبدو لك كبحر هادئ لا يشوبه كدر، لكن هذا الهدوء هو سكون ما قبل العاصفة. إذ يمكن لثورة أعصابها أن تنفجر حين تلامس كرامتها أو حين يفيض بها الكيل. هي التي تضحك ملء فمها لتنشر البهجة في المكان، وهي ذاتها التي قد تخلد إلى نومها والدموع تبلل وسادتها، تخفي في أعماقها جراحا و قصصا لا تبوح بها، بينما تظل عفويتها الفاضحة تكشف عن مكنونات قلبها رغما عنها.
شمس الوضوح وعتمة الغموض
كما إنها “عزيزة النفس” بكبرياء لا يعرف الغرور، تترفع عن الصغائر و تسكن في علياء كرامتها. غامضة كغموض ليل مرصع بالنجوم، يدعوك لاكتشافه ولا يمنحك كل أسراره، وفي الوقت ذاته، واضحة كوضوح شمس الظهيرة في صراحتها ومواقفها. هي القريبة كظلك التي تشعر بدفئها في كل لحظة، وهي البعيدة كبعد السماء التي لا تطالها الأيدي العابثة.
الخاتمة: أنثى بقلب من ياسمين
في نهاية المطاف، تظل هي اللغز الذي لا يحتاج إلى حل، بل إلى تقدير. هي القوية كالريح التي تقتلع زيف الوجوه، و الرقيقة كالياسمين التي تنثر عطرها في الممرات المظلمة. تشبه الأطفال في نقائهم، والأمهات في عظيم تضحياتهن و طيبتهن.
كل ما نعلمه عنها يقبل كل الاحتمالات، ويتسع لكل التناقضات البشرية الجميلة. إنها ببساطة ليست مجرد شخص، بل هي حالة شعورية متكاملة.. هي الأنثى التي تحمل في صدرها قلبا أبيض بياض الياسمين، و عطرا يرفض النسيان.





